القاضي النعمان المغربي

311

تأويل الدعائم

الّذي استنبطوه لأنفسهم من العلم أن يعملوا ويحكموا به كان ذلك مثل الجزية وهم في مقادير العلم كمثل أهل الجزية في الظاهر في مقادير الأموال ، فما انتزع من أيديهم من ذلك كان يقدر ما عند أهل كل طبقة منهم من العلم كما يكون ذلك في ظاهر الجزية في المال ، ومثل الخراج الّذي هو على أهل الجزية في الظاهر في تأويل الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل الأرض مثل الحجة ومثل أرض المشركين مثل صاحب أمرهم في ملته الّذي يلي أحكامهم والنظر فيهم ، فمن كانت هذه حاله من أهل الخلاف لم يترك في يديه شيء من الأمر والحكم والنهى في ذلك بمذهبه الّذي كان يذهب إليه إذا ظهر أهل الحق عليهم بل ينتزع ذلك منه ، وذلك مثل أخذ الخراج من أرضهم ، وإذا دخلوا كلهم في جملة أهل الحق لم يترك ذلك لهم ، ولا لمن كان يلي أمرهم فيهم وذلك مثل إسلام أهل الذمة ، وإن الخراج باق بحاله على أرضهم ، كذلك انتزاع الحكم في الباطن ممن كان له من أهل الخلاف إذا ظهر عليهم ، ويتلو ذلك ما جاء عن أمير المؤمنين على أنه قال : يؤخذ من مال المستأمن من العشر إذا بلغ مائتي درهم فصاعدا ، فهذا هو الحكم في التجار من أهل الحرب يدخلون بتجاراتهم إلى بلد المسلمين بأمان أن يؤخذ العشر من كل من كان معه من ذلك قيمة مائتي درهم فما فوقها ، وما كان دون ذلك لم يؤخذ منه شيء ، وتأويل ذلك في الباطن ما قد تقدم القول به من أن المستأمن مثل المرتاد من المخالفين يرتاد العلم عند أهل الحق كما يبتغى التاجر المستأمن في الظاهر الفضل في تجارته ، فمن جاء إلى أهل الحق كذلك من أهل الخلاف يرتاد ما عندهم ممن عنده من أهل الخلاف ما يفيد غيره منه ، كما يكون كذلك في الظاهر ممن وجبت في مثل ماله الزكاة ، وذلك مائتا درهم لم يطلق له أن يفيد أحدا من نظرائه بحضرة أهل الحق من علمه الفاسد الّذي في يديه كما يكون المائتا درهم إذا نقص عشرها لم تجب فيها زكاة ، كذلك يصير هذا المرتاد في دار أهل الحق كمن لا ينبغي له أن يفيد غيره من علمه ، ويتلو ذلك ما جاء عن علي عليه السلام أنه رخص في أخذ العروض مكان الجزية بقيمة ذلك ، فهذا في الظاهر يجوز أن يؤخذ ممن وجبت عليه دراهم في الجزية عرضا بقيمتها ، وتأويل ذلك في الباطن أن أهل الحق متى ظهروا على أهل الباطل انتزعوا من أيديهم أمر الأحكام على ما يذهبون إليه كما قدمنا ذكره أو مثل ذلك مما كان أمرهم